كشفت ضربة بطائرة مسيّرة استهدفت ميناء دمياط المصري في 29 يوليو 2026 عن هشاشة هيكلية كامنة في منظومة الطاقة بشرق البحر المتوسط، وعن المخاطر التي تواجه استراتيجية أوروبا لتنويع إمدادات الغاز بعيدًا عن روسيا.
ويرى مفلح هدايات أن الضربة لم تكن مجرد حادث أمني إقليمي، بل شكلت اختبارًا حقيقيًا لأحد أهم ممرات الطاقة في العالم، في وقت يعمل فيه هذا الممر أصلًا تحت ضغوط غير مسبوقة.
ووفقًا لموقع ديسكفري أليرت, استهدفت الضربة سفينتين للغاز، هما وحدة التخزين وإعادة التغويز العائمة «إينيرجوس وينتر» المملوكة لشركة أمريكية، وناقلة الغاز الطبيعي المسال «غاز لوغ سالم» التي ترفع العلم اليوناني، ما أدى إلى اندلاع حريق استغرق احتواؤه بالكامل ما بين 12 و14 ساعة. ولم تسجل السلطات سقوط قتلى أو مصابين، فيما استمرت عمليات الميناء خلال الحادث وبعده، ما يشير إلى أن الأضرار المادية، رغم أهميتها، بقيت تحت السيطرة.
ميناء دمياط في قلب معادلة أمن الطاقة الأوروبية
تسارعت منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022 جهود صانعي السياسات الأوروبيين للابتعاد عن الاعتماد على الغاز المنقول عبر خطوط الأنابيب، والاتجاه نحو تنويع مصادر الإمدادات. وفي هذا السياق، برزت إمدادات الغاز الطبيعي المسال من شمال أفريقيا، واكتشافات الغاز البحرية في شرق البحر المتوسط، والبنية التحتية المصرية لإسالة الغاز، باعتبارها ركائز أساسية في استراتيجية التنويع الأوروبية.
ولم تعد مصر مجرد دولة منتجة للغاز، بل تحولت إلى مركز للعبور والإسالة، يتيح نقل الغاز المستخرج من الحقول البحرية القبرصية والإسرائيلية إلى محطات الاستيراد الأوروبية.
ويقع ميناء دمياط عند نقطة التقاء جغرافية وتجارية محورية في هذه المنظومة، بفضل موقعه على ساحل البحر المتوسط وقربه المباشر من ممر قناة السويس، إلى جانب بنيته التحتية التي تضم وحدات تخزين وإعادة تغويز عائمة وأرصفة مخصصة لتحميل الغاز الطبيعي المسال.
ويكتسب الميناء أهمية إضافية باعتباره بوابة إسالة الغاز لمشروع كرونوس القبرصي البحري، الذي تدعمه شركتا «إيني» و«توتال إنرجيز». وأعلنت الشركتان في 28 يوليو 2026 قرار الاستثمار النهائي في المشروع، أي قبل يوم واحد فقط من استهداف البنية التحتية في دمياط.
ويثير هذا التقارب الزمني تساؤلات مشروعة بشأن ما إذا كانت الضربة قد قصدت توجيه رسالة إلى مخططي الطاقة الأوروبيين مفادها أن سلسلة البنية التحتية التي تربط احتياطيات الغاز في شرق البحر المتوسط بالمستهلكين الأوروبيين تحتوي على حلقة شديدة التعرض للمخاطر، حتى مع عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم.
ماذا حدث في ميناء دمياط؟ ومن يقف وراء الضربة؟
استهدفت الضربة، وفقًا لما نقلته رويترز، سفينتي «إينيرجوس وينتر» و«غاز لوج سالم»، حيث اندلع حريق على متنهما عقب هجوم بطائرة مسيّرة. وتمكنت فرق الطوارئ من احتواء الحريق خلال فترة تراوحت بين 12 و14 ساعة، بينما لم تسجل أي وفيات أو إصابات، واستمرت عمليات الميناء بصورة طبيعية.
وتؤدي وحدة التخزين وإعادة التغويز العائمة «إينيرجوس وينتر» دورًا يتجاوز مجرد تخزين الغاز، إذ تستقبل الغاز الطبيعي المسال من الناقلات، ثم تعيد تغويزه وتضخه مباشرة في شبكات خطوط الأنابيب البرية. وتوفر هذه الوحدات بنية تحتية مرنة وسريعة التشغيل تعتمد عليها الدول المستوردة للغاز لتعزيز قدراتها أو تعويض نقص محطات الاستقبال البرية.
وبحسب شركة الاستشارات المصرية ElAdl Studies، توفر «إينيرجوس وينتر» نحو 7% من استهلاك مصر اليومي من الغاز الطبيعي، وتمثل قرابة 16% من إجمالي قدرة البلاد على إعادة تغويز الغاز. ولذلك، فإن خروج وحدة بهذا الحجم من الخدمة يمكن أن ينعكس في الوقت نفسه على توزيع الغاز محليًا وعلى قطاع توليد الكهرباء.
وأكدت الحكومة المصرية في 30 يوليو أن التحقيقات الأولية خلصت إلى أن طائرة مسيّرة تسببت في اندلاع الحريق، مستبعدة أن يكون الحادث ناتجًا عن اشتعال عرضي. وأكدت شركة Ambrey للأمن البحري هذه النتيجة بصورة مستقلة، بينما أكدت شركة Inchcape لخدمات الموانئ وقوع انفجار وحريق على متن السفينتين.
لكن تحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم ظل غير محسوم. فلم تعلن أي جماعة مسؤوليتها، فيما نفت جماعة الحوثيين في اليمن صلتها بالحادث.
وأشارت وسائل إعلام دولية إلى مصادر لم تكشف هويتها تحدثت عن احتمال استخدام طائرة مسيّرة مرتبطة بإيران، إلا أن السلطات المصرية لم تؤكد رسميًا هذه الرواية.
ويظل من الضروري الفصل بين النتائج الفنية المؤكدة للتحقيقات الرسمية وبين الادعاءات غير الموثقة التي تستند إلى مصادر مجهلة، خصوصًا أن أي استنتاجات متسرعة بشأن هوية المنفذ قد تحمل تداعيات جيوسياسية واسعة.
تصاعد المخاطر على ممرات الطاقة وتأثيرها في الأسواق
جاءت ضربة ميناء دمياط في إطار سلسلة من التطورات التي تعكس تدهور الوضع الأمني على امتداد قوس الطاقة الذي يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر. فقد أدى تهديد الحوثيين في 20 يوليو بإغلاق باب المندب أمام صادرات النفط السعودية إلى إعادة توجيه كميات من الخام السعودي عبر قناة السويس وخط أنابيب سوميد، وهو خط يمتد من البحر الأحمر إلى نقاط التصدير على ساحل البحر المتوسط.
وأظهرت بيانات شركة Kpler ارتفاعًا حادًا في الكميات المنقولة عبر خط سوميد خلال ثلاثة أشهر، إذ ارتفعت من 19.52 مليون برميل في أبريل 2026 إلى 28.79 مليون برميل في يوليو، بزيادة بلغت 47%.
وتشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن نحو 10% إلى 12% من التجارة البحرية العالمية تمر سنويًا عبر قناة السويس. ومع ارتفاع أحجام النفط المنقولة عبر خط سوميد بنحو النصف خلال ربع واحد، لم يعد الممر مجرد طريق احتياطي، بل أصبح بديلًا رئيسيًا لجزء كبير من حركة تجارة النفط العالمية.
وحذر محللون من أن أي اضطراب جديد في هذه المرحلة قد يضاعف الضغوط القائمة على ممرات الطاقة العالمية، خصوصًا في ظل تعرض عدة نقاط اختناق استراتيجية للمخاطر في الوقت نفسه.
وعلى المستوى المحلي، واجهت مصر تداعيات فورية على منظومة الطاقة، بعدما شكلت «إينيرجوس وينتر» نحو 7% من استهلاك الغاز اليومي و16% من إجمالي قدرة إعادة التغويز. وتزامن ذلك مع ذروة الطلب الصيفي على الكهرباء، ما جعل خروج هذه القدرة من الخدمة اختبارًا حقيقيًا لمرونة قطاع الطاقة المصري.
وسارعت الحكومة المصرية إلى تفعيل مجموعة من الإجراءات الاحتياطية، شملت تحويل بعض محطات توليد الكهرباء من استخدام الغاز الطبيعي إلى زيت الوقود والسولار، وإدماج سفينة احتياطية لإعادة التغويز كانت متمركزة في ميناء العقبة الأردني ضمن شبكة إمدادات الغاز المصرية، إلى جانب استمرار تشغيل أربع وحدات عائمة أخرى لإعادة التغويز في موانئ مصرية مختلفة لتغطية جزء من العجز.
وأكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي تفعيل هذه الإجراءات، فيما شدد وزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي على توافر البنية التحتية البديلة.
ويشير هذا التحرك إلى أن مصر كانت قد أعدت بعض البدائل لمواجهة مخاطر تعطل البنية التحتية، لكن منظومة الطاقة تعمل حاليًا بهامش احتياطي أقل، وهو ما يجعل وقوع حادث ثانٍ أو ثالث أكثر خطورة بكثير.
ورغم ذلك، جاء رد فعل أسواق الطاقة محدودًا نسبيًا. وتراجع خام برنت بنحو 2% في 31 يوليو 2026، ليغلق عند 89.03 دولارًا للبرميل، بينما ركز المتعاملون بصورة أكبر على الإشارات الدبلوماسية المرتبطة بالمباحثات الإيرانية العُمانية بشأن مضيق هرمز، بدلًا من تسعير مخاطر اضطراب الإمدادات في شرق البحر المتوسط.
ويرى محللون أن ثلاثة عوامل رئيسية تفسر ضعف رد فعل الأسواق، أبرزها قدرة البنية التحتية الاحتياطية على استيعاب الاضطراب الفوري، وعدم وضوح الجهة المسؤولة عن الهجوم بما يصعب تقدير احتمالات التصعيد، فضلًا عن تركيز الأسواق على التطورات الدبلوماسية المرتبطة بمضيق هرمز.
مشروع كرونوس يواجه سؤال أمن مسار الإمدادات
أعاد قرار الاستثمار النهائي في مشروع كرونوس، الذي أعلنته «إيني» و«توتال إنرجيز» قبل يوم واحد من ضربة دمياط، طرح قضية أمن مسارات الطاقة على طاولة المخططين الأوروبيين.
ومن المقرر أن ينتقل الغاز المستخرج من المشروع البحري القبرصي عبر خطوط أنابيب تحت سطح البحر إلى دمياط، حيث يخضع لعملية الإسالة قبل تحميله على ناقلات الغاز الطبيعي المسال المتجهة إلى الأسواق الأوروبية. ويعني ذلك أن الجدوى التجارية للمشروع تعتمد بصورة مباشرة على بقاء ميناء دمياط آمنًا وقادرًا على أداء دوره كمركز إقليمي للطاقة.
ولا يعني وقوع حادث واحد بالضرورة انهيار المشروع أو فشل مسار الإمداد، خصوصًا أن السلطات احتوت الحريق ولم تسجل خسائر بشرية، كما تمكنت البنية التحتية الاحتياطية من استيعاب التداعيات الفورية. لكن الهجوم يضيف عامل مخاطرة جديدًا إلى مفاوضات التمويل والتأمين واتفاقيات شراء الغاز التي ستحدد مستقبل المشروع وجدوله الزمني.
وقد يتخذ مسار الأحداث خلال الفترة المقبلة عدة اتجاهات. فقد يبقى الهجوم حادثًا معزولًا يدفع مصر وشركاءها الدوليين إلى تعزيز تحصين الموانئ وتطوير أنظمة رصد المسيّرات والأمن البحري، بما يسمح لمشروع كرونوس بالمضي قدمًا مع ارتفاع محدود في تكاليف التأمين.
وقد يؤدي تكرار الهجمات على البنية التحتية المصرية أو منشآت الطاقة في شرق البحر المتوسط إلى دفع المشترين الأوروبيين نحو تسريع البحث عن مسارات بديلة للإمدادات، بما يضغط على تمويل مشروع كرونوس ويدفع الأطراف المتعاقدة إلى إعادة تقييم مخاطر أمن الطريق.
أما السيناريو الأكثر خطورة، فيتمثل في حدوث اضطرابات متزامنة في باب المندب وقناة السويس وميناء دمياط، ما قد يؤدي إلى أزمة متسلسلة تضرب أحد أهم البدائل المتبقية أمام حركة الطاقة العالمية في ظل المخاطر التي تحيط بمضيق هرمز.
ضربة دمياط تكشف فجوة بين مخاطر الطاقة وتسعير الأسواق
يكشف حادث ميناء دمياط أن المخاطر التي تواجه أمن الطاقة الأوروبي لم تعد تتركز في مضيق هرمز أو الخليج العربي وحدهما، بل امتدت إلى شرق البحر المتوسط، حيث تتزايد أهمية مصر كمركز لإسالة الغاز وإعادة تصديره ونقل الطاقة.
ورغم أن مصر نجحت في احتواء التداعيات المباشرة للهجوم بفضل البنية التحتية الاحتياطية، فإن انخفاض هوامش الاحتياطي يجعل أي حادث جديد أكثر تأثيرًا. كما يرفع استهداف البنية التحتية للطاقة تكلفة المخاطر المتعلقة بالتأمين والنقل والاستثمار، وقد يؤثر في حسابات الشركات الأوروبية بشأن الاعتماد على الغاز القادم من شرق البحر المتوسط.
وتشير الضربة في نهاية المطاف إلى أن الجغرافيا لم تعد توفر الحماية الكافية للدول التي تقع خارج مناطق الصراع المباشر. فمصر، التي تشغل موقعًا محوريًا عند تقاطع قناة السويس والبحر المتوسط وشبكات الطاقة الإقليمية، أصبحت جزءًا لا يتجزأ من معادلة أمن الطاقة العالمية.
وتبقى قدرة مصر على امتصاص هذا الحادث قائمة، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا يتعلق بما سيحدث إذا استهدفت عقدة ثانية أو ثالثة في منظومة الطاقة والنقل، بينما تعمل الشبكة بالفعل بهوامش احتياطية أقل من المعتاد.
وفي ظل هذه المعطيات، قد تتحول ضربة دمياط من حادث أمني محدود إلى نقطة فاصلة في إعادة تقييم أمن البنية التحتية للطاقة في شرق البحر المتوسط، خصوصًا إذا تكررت الهجمات أو اتسعت رقعة الاضطرابات لتشمل ممرات الطاقة والنقل الحيوية في المنطقة.
https://discoveryalert.com.au/damietta-port-drone-strike-eastern-mediterranean-lng-cronos/

